محمد بن عيسى ابن المناصف الأزدي القرطبي ( ابن المناصف )

322

الإنجاد في أبواب الجهاد

كان ذلك في عقد المهادنة والأمان العام : زال حكم الأمان عنه ، فكان رضاه بَعْدُ بإرقاق نفسه لا مانع منه . نعم ؛ لو لم يرض بإسلام نفسه بَعْدَ نَبْذِ الأمان ، أمكن أن يقال : يجب ردُّه إلى مأمنه ؛ تتميماً في الوفاء بعهده ، وكذلك لو أراد بعضهم بيع بعض أو ارتهانه ، ورضي بذلك المبيع والمرتهن لجاز ذلك فيمن هو مالكٌ أمره ، فإن لم يرض بذلك لم يجز ، ولا يجوز شيءٌ من ذلك بحالٍ في المهادنة والأمان العام ، فإن كان المبيع والمرتهن غير بالغٍ ممَّن لا يملك أمره ، وهو ممن دخل تحت ذلك الأمان : فلا يجوز لأحدٍ ممن معه فيه إسلامُه في بيعٍ أو ارتهانٍ ، وما أشبه ذلك ، مما ينافي عقد الأمان ، إلا أن يكون الذي فعل ذلك به أبوه ، فقد قال مالك : إنَّ ذلك جائز ، ونحو ذلك يُروى عن الثوري ، ومنع من ذلك بعض أهل العلم ، والأولى في النظر منعه ، لأن الصغير بعد أن ثبت له التأمين لا يرتفع حُكمه إلا بإذن شرعي ، وذلك إما بردِّه إلى مأمنه ، وإما بإسقاطه هو ونبذه ، أنْ لو كان ممن يملك أمر نفسه ، فأمَّا أن يكون ذلك بيد غيره يسقطه عنه ، فلا دليل عليه ، وإنما أراهم أجازوا عليه ذلك من الأب ؛ لأنهم حملوا الأمر فيه - والله أعلم - على حكم الصغير في حجر أبيه ، حيث يكون نظره له نافذاً عليه ، وهذا هنا لا يستقيم ؛ لأن نظر الأب المأذون فيه لا يتعدَّى مصلحة المال ، أو ما هو شبيه المال من مصالح الأعيان ، كعقد النكاح ، ونحو ذلك عند من يراه ، بل لو قَضَى في المال بغير السداد ، وما لا مصلحة فيه البتة : فُسِخ ، ولم يمض ذلك على الصغير . وأما قضاؤه على ذاته ، وعينه ، وإتلافهُ عليه أحكام الحرية بالإرقاق ؛ فذلك لا يوجد له أصلٌ بحالٍ ، وقد رُوي عن ابن القاسم قولٌ يدل على أن قضاء الأب على ابنه الصغير بمثل ذلك لا يمضي . ولنورد الآن من المسائل المنقولة عن المالكية ، ومن أمكن من غيرهم ، في افتراق حُكمي الأمان : خاصاً وعاماً ، على حسب ما ذكرناه ، ما يكون فيه تَبَيُّنٌ بالوقوف عليه - إن شاء الله تعالى - .